أبي منصور الماتريدي

109

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أي : ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم ، إما من جهة العقل ، وإما من جهة السمع والكتب والخبر ، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغيا . وقوله : بَغْياً بَيْنَهُمْ . قيل « 1 » : بَغْياً بَيْنَهُمْ ، أي : حسدا بينهم . وقيل « 2 » : بَغْياً بَيْنَهُمْ ، ظلما منهم ، ظلموا محمدا صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ . تأويله - واللّه أعلم - أي هدى اللّه الذين آمنوا ، ولم يختلفوا من بين الذين اختلفوا . ويحتمل : هدى اللّه من أنصف ولم يعاند ، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا . وقوله : بِإِذْنِهِ « 3 » ، قيل : بأمره ، وقيل : بفضله . لكن قوله : بِإِذْنِهِ ، بأمره ، لا يحتمل ، ولكن بِإِذْنِهِ ، أي : بمشيئته وإرادته . وقوله : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدى فاهتدى ، ومن لم يشأ أن يهتدى لم يهتد ؛ لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعا [ أنه من شاء أن يهتدوا جميعا ] « 4 » ، على ما يقوله المعتزلة ، لكان يقول : واللّه يهدى إلى صراط مستقيم ، ولم يقل : مَنْ يَشاءُ ، [ فدل قوله : مَنْ يَشاءُ ] « 5 » على أنه شاء إيمان من آمن ، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن ، فالآية تنقض على المعتزلة قولهم : إنه شاء أن يؤمنوا ، لكن آمن بعضهم ولم يؤمن البعض . وفي قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان والمجىء الانتقال من مكان إلى مكان ، ولا الزوال من موضع إلى موضع ؛ لأنه ذكر البعث ، وهم كانوا بين ظهرانيهم ، فدل أنه يراد الوجود ، لا غير . وقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . قيل : معنى قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ ، على إسقاط « الميم » .

--> ( 1 ) انظر : تفسير البغوي ( 1 / 187 ) . ( 2 ) ينظر : التخريج السابق . ( 3 ) زاد في ط : يحتمل وجوها . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في ط .